قراءة البسملة في الصلاة الجهرية: دراسة فقهية مقارنة

مقدمة حول البسملة في الصلاة

تُعد الصلاة عماد الدين وأهم أركان الإسلام العملية، وقد أولاها الشرع اهتماماً خاصاً، فحدد أركانها وواجباتها وسننها. من المسائل التي يكثر السؤال عنها وتختلف فيها آراء الفقهاء هي حكم قراءة البسملة (بسم الله الرحمن الرحيم) في الصلاة الجهرية، خاصة عند قراءة سورة الفاتحة. يستعرض هذا المقال آراء المذاهب الفقهية الأربعة المعتبرة، بالإضافة إلى نظرة عامة على موقف المؤسسات الفقهية المعاصرة، مع تحليل مقارن للوصول إلى الرأي الراجح.

آراء المذاهب الفقهية الأربعة

تعددت آراء فقهاء المذاهب الأربعة حول حكم قراءة البسملة في الصلاة الجهرية، سواء كانت جزءًا من الفاتحة أو آية مستقلة تقرأ للاستفتاح.

المذهب الحنفي

يرى فقهاء الحنفية أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من كل سورة، بل هي آية مستقلة أنزلت للفصل بين السور والتبرك. حكم قراءتها في الصلاة الجهرية عندهم هو:

  • السنة: قراءتها سرًا قبل الفاتحة في الركعة الأولى فقط، للاستفتاح والتبرك.
  • الجهر: لا يجهر بها الإمام عند قراءتها في الصلاة الجهرية.
  • الدليل: يستدلون بما روي عن عائشة وأنس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين، أي لا يجهرون بالبسملة.

المذهب المالكي

ذهب المالكية إلى كراهة قراءة البسملة جهرًا وسرًا في صلاة الفرض، سواء قبل الفاتحة أو قبل السورة التي تليها. ويرون أنها ليست من الفاتحة ولا من غيرها من السور.

  • الكراهة: كراهة قراءتها مطلقًا في صلاة الفرض، جهرًا وسرًا.
  • الاستحباب: يستحب قراءتها في صلاة النفل.
  • الدليل: اعتمادهم على حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بـ ‘الحمد لله رب العالمين’ لا يذكرون ‘بسم الله الرحمن الرحيم’ في أول قراءة ولا في آخرها” (صحيح مسلم).

المذهب الشافعي

يُعتبر الشافعية من أقوى القائلين بوجوب الجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية، ويرون أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة.

  • الوجوب: وجوب قراءة البسملة جهرًا عند قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية، كجزء منها.
  • الجهر: الجهر بها في كل ركعة يجهر فيها بالفاتحة.
  • الدليل: يعتمدون على عدة أدلة منها: ما رواه أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة: “بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين…” الآيات، وعد البسملة آية. كما أن هناك كثرة في الروايات عن الصحابة والتابعين بالجهر بها في الصلاة.

المذهب الحنبلي

يذهب الحنابلة إلى أن البسملة آية مستقلة من القرآن الكريم، ولكنها ليست آية من الفاتحة. وحكم قراءتها عندهم هو:

  • الاستحباب: قراءتها سرًا في كل ركعة قبل الفاتحة.
  • عدم الجهر: لا يجهر بها الإمام في الصلاة الجهرية.
  • الدليل: يستدلون بحديث أنس بن مالك السابق ذكره في المذهب المالكي، والذي يدل على عدم الجهر بها. ويرون أنها سنة مؤكدة تقرأ سرًا.

آراء المؤسسات الفقهية المعاصرة

غالباً ما تحترم المؤسسات الفقهية المعاصرة، مثل مجمع الفقه الإسلامي الدولي أو المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، هذا التنوع الفقهي. تؤكد هذه المؤسسات على جواز الأخذ بأي من هذه الآراء مع عدم الإنكار على المخالف. في مثل هذه المسائل التي ورد فيها خلاف سائغ، يُعطى للمصلي سعة في الاختيار وفقاً لما يطمئن إليه قلبه أو يراه العلماء الذين يثق بهم في بلده.

الترجيح والقول الراجح

بعد استعراض آراء المذاهب، يمكن القول إن المسألة من مسائل الخلاف الفقهي المعتبر، والتي لا ينبغي أن تكون سبباً للتنازع أو الشقاق. ومع ذلك، يميل بعض العلماء إلى ترجيح أحد الأقوال بناءً على قوة الأدلة.

التحليل المقارن

الأدلة التي تعتمد على فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الجهر وعدمه، فيها نوع من التعارض الظاهري، مما أدى إلى هذا الخلاف. فمن جهر بالبسملة استند إلى روايات تثبت الجهر، ومن أسر استند إلى روايات تثبت الإسرار أو عدم الذكر الجهر.

القول الراجح

الراجح والله أعلم، هو أن الإسرار بالبسملة أو الجهر بها كلاهما جائز وواسع في الدين. كلا القولين له أدلة صحيحة ومعتبرة من السنة النبوية وفعل الصحابة. فالأمر فيه سعة، ويجوز للإمام أن يجهر أحياناً ويسر أحياناً لبيان الجواز، ويجوز للمأموم أن يتبع إمامه. الأهم هو الخشوع في الصلاة والاجتهاد في تحصيلها على الوجه الأكمل.

الخاتمة

تظهر هذه الدراسة أن الفقه الإسلامي يتميز بالمرونة والسعة، وأن الخلاف في الفروع الفقهية رحمة بالأمة. الواجب على المسلم هو التحري والاطمئنان إلى ما يعمل به، مع احترام آراء المخالفين والتعايش مع التنوع الفقهي الذي يثري الفقه الإسلامي ويجعله صالحاً لكل زمان ومكان.

المصادر والمراجع

  • كتب الفقه الحنفي (مثل: بدائع الصنائع للكاساني).
  • كتب الفقه المالكي (مثل: المدونة الكبرى لسحنون، الشرح الكبير للدردير).
  • كتب الفقه الشافعي (مثل: المجموع شرح المهذب للنووي، الأم للشافعي).
  • كتب الفقه الحنبلي (مثل: المغني لابن قدامة).
  • صحيح البخاري وصحيح مسلم.
  • سنن أبي داود، سنن الترمذي، سنن النسائي.