# **حكم استخدام المستحضرات الطبية المحتوية على محرمات: بين الضرورة ورفع الحرج**
تعد مسألة استخدام الأدوية والمستلزمات الطبية التي تحتوي على نسبة من مواد محرمة (مثل الكحول الإيثيلي، أو مشتقات حيوانية غير مذكاة) من المسائل المستجدة التي تحتاج إلى تدقيق فقهي دقيق، نظراً لتداخل الضرورة الطبية مع الأحكام التكليفية.
## **آراء المذاهب الفقهية في تداول واستعمال المحرمات عند الضرورة**
تتفق المذاهب الأربعة على الأصل العام بتحريم تملك واستخدام الأعيان النجسة أو المحرمة، لكنها وضعت ضوابط للاستثناء عند تحقق الضرورة.
### **1. المذهب الحنفي والشافعي**
يركز هذان المذهبان على قاعدة “الاضطرار يبيح المحظورات”، مع وضع ضوابط لمدى الإباحة.
* **التداوي بالنجاسة:** الأصل المنع، لكن إذا تعين الدواء الذي يحوي المحرم، ولم يوجد بديل، جاز استعماله بالقدر الذي يحقق الشفاء.
* **الكحول في المستحضرات:** إذا كان الكحول المستخدم مُستَحَالَاً (أي تحول بالصناعة الكيميائية إلى مركب آخر لا يُطلق عليه اسم كحول تقليدي)، فعند بعضهم لا حرج في استخدامه لكونه قد زالت عنه صفة التحريم الأصلية. أما إذا كان مجرد مذيب أو مطهر وكان المحرم غالباً، فالأمر فيه أشد.
### **2. المذهب المالكي والحنبلي**
يتميز المذهب المالكي والحنبلي بصرامة أكبر في التعامل مع النجاسة، ولكن مع إقرار قاعدة رفع الحرج الصحي.
* **الضرورة كقيد:** يجوز التداوي بالمحرمات فقط إذا كانت أدوية ضرورية لا يوجد لها بديل حلال، وكان المرض يهدد بهلاك النفس أو العضو.
* **القياس على الأكل:** يقاس التداوي بالأكل في حالة الاضطرار؛ فكما يُباح أكل الميتة عند المخمصة، يُباح استعمال الدواء عند تعذر غيره.
—
## **فتوى المجامع الفقهية المعاصرة**
استجابة للتحديات الصيدلانية، أصدرت المجامع الفقهية قرارات واضحة ترعى تيسير العلاج.
### **قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي**
أقر المجمع بالجواز في حالتين رئيسيتين تتعلقان بالأدوية المحتوية على محرمات:
1. **الاستحالة والتبديل:** إذا كانت المادة المحرمة قد طرأ عليها استحالة كيميائية تحولها إلى مادة أخرى مغايرة في الخصائص والحكم، فإن استخدامها يصبح جائزاً.
2. **تعين الدواء:** إذا كان الدواء ضرورياً لإنقاذ حياة المريض أو شفائه من مرض خطير، ولم يوجد له بديل طاهر أو حلال، فإن استعماله يصبح جائزاً للضرورة القصوى.
### **رأي المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث**
المجلس يشدد على ضرورة البحث أولاً عن البدائل الحلال المعتمدة، ولكن إذا تعذر ذلك:
* **المستحضرات الخارجية:** إذا كان المحرم (مثل الكحول) يُستخدم كمطهر خارجي أو مادة حافظة، ولم يدخل إلى الجوف، فالأمر فيه أيسر، ولكنه يظل مكروهاً إن أمكن تجنبه.
* **المواد الداخلة في الجسم:** إذا كانت المادة المحرمة (مثل مشتقات الخنزير) جزءاً لا يمكن فصله عن العلاج الحيوي، فإن الضرورة تقضي بالجواز دفعاً للضرر الأكبر وهو الهلاك أو الضرر الصحي الجسيم.
—
## **القول الراجح والضوابط التطبيقية**
**القول الراجح:** جواز استخدام المستحضرات الطبية التي تحتوي على مواد محرمة **عند تعينها وعدم وجود بديل طاهر يحقق ذات الغرض العلاجي، ويكون المرض خطيراً**.
**ضوابط تطبيق هذا الترخيص:**
1. **التقييم الطبي الموثوق:** يجب أن يكون قرار استخدام الدواء نابعاً عن إفادة طبيب مسلم موثوق (أو طبيب غير مسلم مشهود له بالنزاهة) يؤكد عدم وجود بديل.
2. **الاستعمال بالقدر الضروري:** لا يجوز استعمال الدواء بكميات تفوق الحاجة العلاجية الفعلية.
3. **عدم التناول المعتاد:** لا يُرخّص بهذا للبقاء على المحرم في الحياة اليومية (كاستخدام مواد تجميلية تحتوي على كحول بصورة روتينية دون ضرورة طبية).
—
**مصادر الفتوى:**
* كتب الفقه المقارن (البحث عن باب الضرورات والمحظورات).
* قرارات المجمع الفقهي الدولي (خاصة ما يتعلق بالصناعات الدوائية).
* فتاوى المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث الحديثة.