يُعد المسح على الجوربين رخصة شرعية عظيمة، تهدف إلى التيسير على المسلمين ورفع الحرج عنهم في الطهارة. وقد أجمع العلماء على مشروعية المسح على الخفين (ما يلبس على القدمين من جلد ونحوه) لما تواتر فيه من أحاديث نبوية شريفة.
لكن الخلاف الفقهي نشأ حول مدى إلحاق الجوربين (الشرابات) بالخفين في هذا الحكم، وما هي الشروط الواجب توافرها في الجورب ليصح المسح عليه. يستعرض هذا المقال آراء المذاهب الفقهية الأربعة ويقدم القول الراجح وشروطه العملية، ليقدم للقارئ فهمًا شاملاً وميسرًا لهذه الرخصة.
آراء المذاهب الفقهية الأربعة في المسح على الجوربين
تباينت آراء الفقهاء الكبار في مسألة المسح على الجوربين، وهذا التنوع نابع من اختلافهم في فهم النصوص الشرعية وتطبيقها. إليك ملخص لهذه الآراء الرئيسية:
1. المذهب الحنفي والمالكي: شرط التجليد أو التنعل
اشترط فقهاء المذهبين الحنفي والمالكي لصحة المسح على الجوربين أن يكونا مجلدين أو منعلين. هذا يعني أن الجورب يجب أن يكون سميكًا، قويًا، ومغطى أسفله بالجلد، بحيث يمكن المشي فيه لمسافات دون أن يسقط أو يتمزق. استندوا في ذلك إلى القياس على الخف المصنوع من الجلد والذي وردت فيه الرخصة الأصلية، ورأوا أن الجورب الرقيق لا يماثله في المتانة ولا يمنع وصول الماء للقدم بشكل كافٍ.
2. المذهب الشافعي: شرط الصَّفاقة ومنع نفاذ الماء
وافق الشافعية على جواز المسح على الجوربين، ولكن بشروط أكثر دقة. يجب أن يكون الجورب صفيقًا (أي سميكًا) لدرجة تمنع نفاذ الماء إلى القدم إذا صُبّ عليه الماء، وأن يكون ثابتًا بنفسه على القدم، وأن يمكن متابعة المشي عليه لمسافة معتبرة. وبناءً عليه، لا يجوز المسح على الجورب القطني أو الصوفي الرقيق عندهم.
- شروط الجورب لدى الشافعية:
- أن يكون صلبًا ومتينًا (صفيقًا).
- أن يمنع وصول الماء إلى القدم.
- أن يكون ثابتًا على القدم دون شد.
- أن يمكن المشي عليه مسافة معتبرة.
3. المذهب الحنبلي: الأوسع والأكثر تيسيرًا
يُعرف المذهب الحنبلي بكونه الأكثر تساهلاً وتيسيرًا في هذه المسألة. فقد أجازوا المسح على الجوربين بشرط أن يكونا صفيقين (سميكين) ساترين للقدمين مع الكعبين، حتى لو لم يكونا مجلدين أو منعلين. اعتمدوا في ذلك على حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم “مسح على الجوربين والنعلين” وهو حديث صحيح. كما استدلوا بآثار عديدة عن الصحابة الكرام الذين مسحوا على جواربهم، مما يدل على شيوع هذه الرخصة في عهدهم واتساعها.

القول الراجح وسبب الترجيح
القول الراجح، والذي يتبناه عدد كبير من العلماء المعاصرين والمجامع الفقهية، هو جواز المسح على الجوربين (الشرابات) السميكين اللذين يستران محل الفرض (القدمين مع الكعبين). هذا القول يوافق مذهب الإمام أحمد بن حنبل ويعد الأكثر تيسيرًا وانسجامًا مع مقاصد الشريعة الإسلامية السمحة.
أسباب ترجيح هذا القول:
- صحة الدليل الأثري: ثبوت المسح على الجوربين عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن عدد من الصحابة الكرام، وهم أعلم الناس بسنته وتطبيقها.
- تحقيق علة الرخصة: العلة الأساسية للمسح هي رفع الحرج والمشقة عن المكلفين، وهذا المعنى متحقق في الجوارب السميكة المنتشرة في عصرنا، حيث يشق نزعها ولبسها المتكرر في كل وضوء.
- مراعاة مقاصد الشريعة: الشريعة الإسلامية مبنية على التيسير ورفع الحرج، وهذا القول يتوافق تمامًا مع هذا المبدأ العظيم ويفتح باب التخفيف على الناس.
شروط المسح على الجوربين: ملخص عملي لضمان صحة الطهارة
بناءً على القول الراجح، يجوز للمسلم المسح على الجوربين وفقًا للشروط التالية لضمان صحة طهارته وصلاة:
- اللبس على طهارة كاملة: يجب أن يتم لبس الجوربين بعد وضوء صحيح وكامل، تم فيه غسل القدمين.
- ستر محل الفرض: أن يكون الجوربان ساترين للقدمين مع الكعبين. فلا يصح المسح على الجوارب القصيرة التي تكشف جزءًا من الكعب.
- إمكانية متابعة المشي: أن يكون الجوربان سميكين وقويين بحيث يمكن المشي فيهما عادةً دون أن يتمزقا أو يسقطا. لا يصح المسح على الجوارب الشفافة أو الرقيقة جدًا.
- طهارة الجوربين: يجب أن يكون الجوربان نظيفين وطاهرين من أي نجاسة (مثل البول أو الغائط).
- الالتزام بالمدة الشرعية:
- للمقيم: يوم وليلة (24 ساعة) تبدأ من أول مسح بعد الحدث، وليس من وقت اللبس.
- للمسافر: ثلاثة أيام بلياليهن (72 ساعة) تبدأ أيضًا من أول مسح بعد الحدث.

مدة المسح وكيفيته: التفاصيل الهامة
لإتمام عملية المسح على الجوربين بشكل صحيح، يجب الانتباه إلى المدة المحددة والكيفية الشرعية التي وردت في السنة النبوية:
مدة المسح: متى تبدأ ومتى تنتهي؟
تبدأ مدة المسح من أول مرة يمسح فيها المتوضئ على جوربيه بعد أن ينتقض وضوءه. فمثلاً، إذا لبس الجوربين على طهارة الساعة 8 صباحًا، ثم أحدث الساعة 10 صباحًا، ثم توضأ ومسح للمرة الأولى الساعة 11 صباحًا، فمن هذه اللحظة (11 صباحًا) تبدأ المدة الزمنية المحددة (يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر). وتنتهي بانتهاء المدة أو بنزع الجوربين.
كيفية المسح: خطوات بسيطة
تكون كيفية المسح ببل اليدين بالماء (دون إسراف)، ثم يمرر اليد اليمنى على ظاهر القدم اليمنى، واليد اليسرى على ظاهر القدم اليسرى. يكون المسح مرة واحدة فقط، ويبدأ من أطراف الأصابع ويتجه نحو الساق. ولا يشرع مسح أسفل الجورب أو مؤخرته، بل يقتصر المسح على الظاهر فقط، وهو أعلى الجورب.
بهذا التيسير العظيم، يجد المسلم سعة في تطبيق أحكام الطهارة، مما يعينه على أداء عباداته بيسر وسهولة، مع الحفاظ على مقاصد الطهارة والنظافة التي حثت عليها الشريعة الإسلامية.
المصادر والمراجع:
- المغني لابن قدامة (فقه حنبلي).
- المجموع شرح المهذب للنووي (فقه شافعي).
- بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد (فقه مقارن).
- مجموع فتاوى الشيخ ابن باز.
- قرارات المجمع الفقهي الإسلامي.