عظمة الخالق في آية الكرسي: سيدة آي القرآن

تعتبر آية الكرسي، وهي الآية رقم 255 من سورة البقرة، أعظم آية في كتاب الله عز وجل. حوت هذه الآية معاني التوحيد والجلال والعظمة الإلهية، ولم تترك صفة من صفات الألوهية إلا وذكرتها. هي دستور موجز في معرفة الله سبحانه وتعالى.
وقد ورد في فضلها أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أُبيّ بن كعب: “أي آية في كتاب الله معك أعظم؟” قال: الله ورسوله أعلم. فرددها مرارًا، ثم قال أُبيّ: آية الكرسي. فقال النبي: “ليهنك العلم أبا المنذر” (رواه مسلم). هذا الحديث يؤكد المنزلة العظيمة لهذه الآية في الإسلام.
جلال التوحيد وكمال الصفات في آية الكرسي
﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾
تبدأ الآية بالاسم الأعظم “الله”، وتُقرر أعظم حقيقة في الوجود: “لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ”. هذه هي شهادة التوحيد الخالص، التي تنفي الألوهية عن كل ما سوى الله، وتثبتها له وحده لا شريك له. فالله هو المستحق للعبادة وحده دون غيره، وهو الإله الحق الذي لا نظير له.
ثم تصفه بصفات الكمال المطلق التي لا يشاركه فيها أحد:
- الْحَيُّ: صاحب الحياة الكاملة الدائمة التي لم تُسبق بعدم ولا يلحقها فناء. حياة الله ليست كحياة المخلوقات، بل هي حياة ذاتية كاملة، وهو مصدر الحياة لكل حي ومُعطيها.
- الْقَيُّومُ: هو القائم بنفسه، الغني عن كل شيء، والذي يقوم به كل شيء ويدبره. فكل ما في الكون، من أصغر ذرة إلى أعظم مجرة، مفتقر إليه في وجوده وبقائه، وهو سبحانه لا يحتاج إلى أحد مطلقًا.
﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾
بعد إثبات حياته وقيوميته الكاملة، تنفي الآية عنه أي صفة نقص يمكن أن تعتري المخلوقات. “السِّنة” هي النعاس الخفيف في بداية النوم. والله سبحانه وتعالى منزه عن ذلك، فهو لا يغفل ولا ينام ولا يسهو لحظة واحدة عن تدبير شؤون خلقه. فلو أصابه نوم أو نعاس لاختل نظام الكون بأسره وتعطلت مصالح العباد، وهو أمر مستحيل في حقه تعالى.
﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾
هذا إعلان عن ملكوته المطلق الشامل. فكل ما في هذا الكون العظيم، سماواته وأرضه، وما نراه وما لا نراه، هو ملك لله وحده لا ينازعه فيه أحد. هو الخالق، وهو المالك، وهو المدبر لكل شؤون الكون بقدرة وحكمة. وهذا يزرع في قلب المؤمن شعورًا بالافتقار التام إلى الله، واليقين بأنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا إلا بإذن خالقه ومدبر أمره.

﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾
بعد أن بيّن ملكه المطلق وسلطانه، يوضح عظمته وجلاله في مسألة الشفاعة. فلا يجرؤ أحد، مهما بلغت منزلته من نبي مرسل أو ملك مقرب، أن يتكلم أو يشفع لأحد يوم القيامة إلا بعد أن يأذن الله له أولًا، ويرضى عن الشافع والمشفوع له ثانيًا. وهذا يقطع الطريق على كل أوهام الشرك والتعلق بغير الله، ويؤكد أن الأمر كله بيده سبحانه وحده.
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾
هنا تتجلى صفة العلم الإلهي المحيط الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة. فعلمه سبحانه وتعالى كامل وشامل، يحيط بالماضي والحاضر والمستقبل، ما كان وما سيكون، وما خفي وما ظهر. أما علم المخلوقات، فهو علم قاصر ومحدود جدًا، لا يعرفون إلا ما علمهم الله إياه وأذن لهم بمعرفته. وهذا يدفع الإنسان إلى التواضع والاعتراف بجهله أمام علم الله الواسع، ويزيد من إيمانه بكمال علم خالقه وإحاطته بكل شيء.
﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾
تختتم الآية بوصف عظمة مخلوقاته التي تدل على عظمته سبحانه وتعالى. “الكرسي” هو مخلوق عظيم، قال ابن عباس: “هو موضع القدمين”. وهذا الكرسي على عظمته الهائلة، قد وسع السماوات السبع والأرضين السبع. فإذا كان هذا هو حجم الكرسي، فما مدى عظمة العرش الذي هو أكبر من الكرسي؟ وما مدى عظمة خالق العرش والكرسي سبحانه وتعالى الذي لا يحيط به شيء؟
“وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا” أي لا يُثقله ولا يُتعبه حفظ هذا الكون العظيم بكل ما فيه، بما في ذلك السماوات والأرض وما بينهما. إنه حفظ دائم ومستمر بلا كلل ولا ملل، دليل على كمال قدرته وقوته.
ثم تختم الآية باسمين جليلين يؤكدان كماله المطلق وعظمته المتفردة:
- الْعَلِيُّ: له العلو المطلق في ذاته وقدره وقهره. فهو فوق كل شيء، وأعلى من كل شيء، ولا يعلوه شيء، وهو المتعالي عن كل نقص.
- الْعَظِيمُ: الذي له العظمة الكاملة في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله. فكل شيء دونه صغير وحقير، وهو العظيم المطلق الذي لا حدود لعظمته وجلاله.
إن آية الكرسي هي بحق مدرسة متكاملة في العقيدة، تُعرّف العبد بربه أتم التعريف، وتملأ قلبه تعظيمًا وإجلالًا ومحبةً له، وتُعلمه معنى التوحيد الخالص لله وحده الذي لا شريك له في ملكه ولا في ألوهيته.