## **خطبة الجمعة: اغتنام الوقت قبل فوات الأوان**
**الخطبة الأولى**
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده.
أما بعد، فيا عباد الله، اتقوا الله حق تقواه، وتمسكوا بدينه القويم، فإن التقوى هي زاد النجاة.
### **القسم الإلهي بمرور الزمن**
أيها المصلون، إن المتأمل في كتاب الله يجد قسماً عظيماً من الآيات يفتتح بلفظ يدل على عِظَم شأن الزمن. يقسم الله تعالى بالدهر، بالليل والنهار، بالعصر، وكل قسم هو توكيد على أن هذه الأوقات أمانة وليست فراغاً.
قال تعالى في سورة العصر: “وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ”. إن هذا القسم يشمل كل الأزمان، وهو صرخة تنبيه للأمة بأنها تخسر إذا لم تستغل أثمن ما لديها: **الوقت**.
### **الوقت بين الطاعة والمعصية**
الوقت هو رأس مال المؤمن الحقيقي، فإما أن يُستثمر في بناء القصور في الجنة، أو يُهدر في بناء قصور من وهم في الدنيا. النبي صلى الله عليه وسلم وضح لنا هذا الميزان بقوله: “احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز”.
* **اغتنام الصحة قبل المرض:** صحة الجسد نعمة عظيمة تضيع غالباً في لهو الشباب، يقول النبي صلى الله عليه وسلم محذراً: “اغتنِم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك”.
* **اغتنام الفراغ قبل الشغل:** اللحظات الهادئة التي لا نُسأل عنها هي فرص للتزود بالعبادات المستحبة والأعمال الصالحة.
### **كيف نوازن وقتنا؟ (إجراءات عملية)**
لا يكفي أن ندرك قيمة الوقت، بل يجب أن نضع له جدولاً عملياً يعكس أولوياتنا الإيمانية.
* **تحديد الأولويات:** يجب أن يسبق العمل الصالح كل أمر دنيوي عارض، ويُخصص للعبادات اليومية أوقات ثابتة لا تقبل المساومة.
* **مكافحة التسويف:** التسويف هو أشد سارق للوقت. لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد، فربما لا يأتي الغد.
* **التركيز على الجودة لا الكمية:** ليس المطلوب أن نعمل طوال الوقت، بل المطلوب أن نُحسن استخدام الوقت الذي نعمل فيه، ونُقبل فيه على العبادة بقلب حاضر.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
—
**الخطبة الثانية**
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
عباد الله، إن النماذج الراشدة في التاريخ الإسلامي كانت أشد الناس حرصاً على الأوقات. الصحابة كانوا يستغلون كل لحظة في طلب العلم أو خدمة المسلمين. فإذا كانت الساعات والدقائق تبدو قليلة، فإن تراكمها يخلق عمراً مباركاً.
فلنجعل من يومنا هذا نقطة تحول، ولنبدأ بتنظيم أوقاتنا، ولنضع حداً لتلك المشتتات التي تسرق منا أجمل ما نملك. من استغل وقته في مرضاة الله، نال السعادة الحقيقية في الدنيا والفوز بالجنة في الآخرة.
**عباد الله:** إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد.
**المصادر الأساسية:**
* القرآن الكريم (سورة العصر).
* صحيح الجامع وصحيح مسلم (فيما يتعلق بفضل العمل واستغلال الصحة والفراغ).
**الآن، سأنتقل إلى الموضوع التالي في القائمة: “دروس”.**