# **الوقت أغلى ما نملك: كيف نحمي أغلى مواردنا من الضياع؟**
**خطبة الجمعة**
## **المقدمة: القسم الأعظم في القرآن**
الحمد لله الذي جعل الليل سكناً والنهار مبصراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أقام حياته على استثمار كل لحظة في مرضاة ربه. أما بعد، أيها المسلمون والمسلمات، اتقوا الله حق تقواه، واعلموا أن أثمن ما يملكه الإنسان في هذه الدنيا هو العمر الذي أُعطي له، والوقت الذي هو خيط هذا العمر.
أقسم الله تبارك وتعالى بالزمن في عدة مواضع من كتابه الكريم، وهذا القسم العظيم يدل على جلالة هذا الأصل العظيم وقيمته. قال تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ}. العصر هنا هو الزمن، أي أن الإنسان خاسر ما لم يستثمر هذا الزمن فيما ينفعه عند ربه.
## **أهمية الوقت ومكانته في الميزان الشرعي**
الوقت ليس مجرد سلسلة من الدقائق والساعات، بل هو الوعاء الذي تُصب فيه الأعمال الصالحة والسيئة، وهو الذي يُحاسب عليه العبد يوم القيامة. لقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم تحذيراً بليغاً من إضاعة هذا الرصيد الإلهي.
تأملوا معي هذا الحديث النبوي الشريف، الذي هو قاعدة عظيمة في الاستثمار:
> عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: **«نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ»** (رواه البخاري).
الصحة والوقت، أو الفراغ، هما رأسمال الفرص. إن العبد ينام وهو غافل، ويستيقظ وهو غافل، حتى يدركه الأجل وهو لم يستثمر هذه النعم في بناء زاد الآخرة.
## **كيف نخسر أثمن مواردنا؟**
الخسارة الحقيقية ليست في المال، بل في ضياع الفرص التي لن تعود. كثير منا يقع في فخ إضاعة الوقت بسبب سلوكيات يومية تبدو بسيطة لكنها تتراكم.
* **التسويف والتأجيل:** “سأفعل هذا غداً”، أو “سأبدأ الطاعة بعد أيام”. التسويف هو أول معول يهدم بناء الاستغلال الأمثل للوقت.
* **الانشغال بالتافهات:** قضاء ساعات طويلة في متابعة ما لا يقدم ولا يؤخر، أو الانغماس في وسائل التواصل دون هدف شرعي أو دنيوي نافع.
* **إهمال الروتين اليومي:** عدم تحديد الأولويات يجعل اليوم يضيع في الأمور العاجلة على حساب الأمور المهمة والضرورية لصلاح الدين والدنيا.
## **استثمار الوقت: طريق إلى السعادة والنجاح**
الاستثمار في الوقت يعني أن نجعل لكل جزء من يومنا هدفاً ومقداراً محدداً من العمل، سواء كان عملاً دنيوياً أو عبادياً.
لتحقيق الاستثمار الأمثل للوقت، علينا أن نلتزم بما يلي:
1. **تحديد النية والهدف:** قبل البدء بأي عمل، يجب أن نسأل: ما الهدف من هذا الوقت؟ هل هو طلب علم، أم عمل لكسب الرزق الحلال، أم عبادة؟
2. **الالتزام بالعبادات المؤقتة:** إتقان أوقات الصلوات الخمس في أوقاتها، وهي خمس محطات روحية يومية لضبط إيقاع اليوم.
3. **العلم النافع:** تخصيص وقت للقراءة والتعلم، لأن العلم هو أفضل ما ينمي العقل ويُضيء البصيرة. كما قال الإمام الشافعي: “الوقت سيف، إن لم تقطعه قطعك”.
4. **إتقان العمل الدنيوي:** إذا كنا في وظيفة أو عمل، فليكن هذا الوقت مُستثمراً بإتقان، فالإتقان في العمل عبادة إذا كانت النية صالحة.
## **الخاتمة: الموت يطلبنا**
أيها الإخوة والأخوات، كل يوم يمر هو جزء من رصيدنا الذي سنُسأل عنه. تذكروا أن أعمار الأمم تُقاس بعمق إنجازاتها، وأعمار الأفراد تُقاس بجودة استغلالهم لأوقاتهم. فلنجعل من أنفسنا أسوة في اغتنام الشباب قبل الهرم، والفراغ قبل الشغل، والصحة قبل المرض.
نسأل الله أن يبارك لنا في أوقاتنا، وأن يلهمنا الرشد في استغلالها، وأن يجعل آخر أعمالنا خيرها.
**المراجع:**
1. القرآن الكريم.
2. صحيح البخاري (كتاب الرقاق).
3. رياض الصالحين للإمام النووي (باب اغتنام الأوقات).
4. سنن الترمذي (في باب وصف يوم القيامة).