## **السعة والضيق في الأبواب الفقهية: دراسة مقارنة**
يُعدّ الفقه الإسلامي منظومة تشريعية متكاملة تتميز بالمرونة والقدرة على استيعاب متغيرات الزمان والمكان، وذلك من خلال فهم النصوص الشرعية واستنباط الأحكام بمرونة تضمن تحقيق مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم. ويتجلى هذا المعنى في مفهومي “السعة” و”الضيق” في الأبواب الفقهية، حيث تسعى الشريعة لتحقيق اليسر ورفع الحرج عن المكلفين ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.
### **مقدمة:**
يُقصد بالسعة في الفقه الإسلامي تيسير الأحكام وتوسيع نطاقها لتشمل صورًا متعددة، ورفع المشقة عن المكلفين، وتجنب التعسير والتضييق. أما الضيق فيُقصد به ما قد يتراءى أحيانًا من تشديد في بعض المسائل أو تقييد لبعض الصور، وغالبًا ما يكون ذلك لعلة معتبرة أو لحكمة بالغة.
### **آراء المذاهب الفقهية:**
تتفاوت آراء المذاهب الفقهية في تناول قضايا السعة والضيق، وإن كان الأصل العام في الشريعة هو اليسر. نستعرض هنا بعض الأمثلة مع الإشارة إلى آراء المذاهب:
#### **1. باب الطهارة:**
* **المذهب الحنفي:** يميل الحنفية إلى التيسير في مسائل الطهارة، ومن ذلك:
* **السعة في استعمال الماء:** يرون أن الماء الطهور إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه بشيء من النجاسات ولم تبلغ تلك النجاسات حد الغلبة، يبقى طهورًا.
* **الضيق في نجاسة الأواني:** يرون نجاسة الأواني التي استخدمت في طعام خنزير أو ميتة، وتوجب الغسل المتعدد.
* **المذهب الشافعي:**
* **السعة في الطهارة بالماء المطلق:** يوجبون استعمال الماء المطلق في الطهارة، ويرون أن الماء المتغير بطول المكث أو بما ينبت فيه من الطحالب يبقى على طهوريته.
* **الضيق في إزالة النجاسة:** يوجبون إزالة النجاسة بالماء، ويرون أن المسح لا يكفي.
* **المذهب المالكي:**
* **السعة في إزالة النجاسة:** يرون أن إزالة عين النجاسة بأي مزيل طاهر تكفي، ولو لم يكن ماءً.
* **الضيق في استعمال الأواني:** يرون نجاسة الأواني التي استعملت في طعام خنزير أو ميتة، وتوجب الغسل المتعدد.
* **المذهب الحنبلي:**
* **السعة في تطهير الأواني:** يرون أن غسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب سبع مرات، أولاهن بالتراب، كافٍ.
* **الضيق في إزالة النجاسة:** يوجبون إزالة النجاسة بالماء، ويرون أن المسح لا يكفي.
#### **2. باب المعاملات المالية:**
* **المذهب الحنفي:**
* **السعة في أنواع العقود:** يجيزون الكثير من صور العقود التي قد لا تجيزها المذاهب الأخرى، كعقد السلم في كل ما يمكن ضبط صفته، وعقد الاستصناع.
* **الضيق في الربا:** يشددون في تحريم الربا بجميع صوره.
* **المذهب الشافعي:**
* **السعة في البيوع:** يجيزون بيع ما في الذمة، وبيع المعدوم إذا كان مما يمكن ضمانه.
* **الضيق في الربا:** يرون حرمة الربا ويشددون في بيع الربا.
* **المذهب المالكي:**
* **السعة في المعاملات:** يجيزون بيع العرَبون، وبيع المنافع، والجعالة.
* **الضيق في الربا:** يرون حرمة الربا ويشددون في صوره.
* **المذهب الحنبلي:**
* **السعة في البيوع:** يجيزون بيع الوفاء، وبيع ما في الذمة.
* **الضيق في الربا:** يرون حرمة الربا ويشددون في صوره.
### **آراء المجمع الفقهي والمجلس الأوروبي للإفتاء:**
تتبنى هذه الهيئات منهجًا يجمع بين مرونة الفهم للنصوص ومراعاة مقاصد الشريعة، مع الأخذ في الاعتبار الواقع المعاصر.
* **مجمع الفقه الإسلامي الدولي:** غالبًا ما يميل إلى التيسير في المعاملات المالية المعاصرة، مع وضع ضوابط شرعية تمنع الوقوع في المحرمات. يبحث عن صور من العقود لا تخالف القواعد الشرعية العامة، ويجيز ما يحقق المصالح ويدرأ المفاسد.
* **المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث:** يراعي ظروف المسلمين في أوروبا، ويبحث عن أيسر الحلول الشرعية التي تمكنهم من أداء عباداتهم ومعاملاتهم بما لا يخالف الشرع. قد يفتي بالجواز في بعض المسائل التي تختلف فيها آراء المذاهب، بناءً على تحقيق المصلحة ودرء المفسدة.
### **تحليل مقارن وقول راجح:**
يُلاحظ أن الأصل في الشريعة الإسلامية هو **السعة واليسر**، قال تعالى: {مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (الحج: 78). ولكن هذا اليسر لا يعني إطلاق العنان للرخص دون ضابط، بل هو تيسير مشروط بالمشروعية وتحقيق المقاصد الشرعية.
**القول الراجح:**
القول الراجح هو أن الشريعة الإسلامية شريعة سمحة، تسعى لليسر ورفع الحرج. وإنما يحدث “الضيق” في بعض المسائل لعلة معتبرة شرعًا، مثل سد الذرائع المؤدية إلى الحرام، أو لتحقيق مصلحة أرجح، أو لحفظ الحقوق.
**أسباب الترجيح:**
1. **النصوص الشرعية:** دلت النصوص القرآنية والسنة النبوية على مقاصد الشريعة في التيسير ورفع الحرج.
2. **مقاصد الشريعة:** تحقيق المصالح ودرء المفاسد هو الهدف الأسمى، والسعة في هذا الإطار غالبًا ما تحقق هذه المقاصد.
3. **واقع المكلفين:** يجب مراعاة قدرة المكلفين وظروفهم، فالشريعة جاءت لتنظم حياتهم ولا لتكون عبئًا عليهم.
**خلاصة:**
إن فهم “السعة والضيق” في الأبواب الفقهية يتطلب نظرة فاحصة لأدلة كل مسألة، ومقاصد الشريعة، وظروف الواقع. فالشريعة مرنة تتسع لتشمل صورًا متعددة من الحياة، ولكن هذه السعة مقيدة بضوابط شرعية تمنع الانزلاق إلى ما يخالف مقاصدها وغاياتها السامية.
—